إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

17

الاعتصام ( تحقيق الهلالي )

[ مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ ] [ مَعْنَى حَدِيثِ " بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا " ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، الَّذِي بِحَمْدِهِ يُسْتَفْتَحُ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ ، خَالِقِ الْخَلْقِ لِمَا شَاءَ ، وَمُيَسِّرِهِمْ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ ، لَا عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِهِمْ لِمَا سَرَّ وَسَاءَ ، وَمُصَرِّفِهِمْ بِمُقْتَضَى الْقَبْضَتَيْنِ ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ، وَهَدَاهُمُ النَّجْدَيْنِ فَمِنْهُمْ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ ، وَمُسَوِّيهِمْ عَلَى قَبُولِ الْإِلْهَامَيْنِ فَفَاجِرٌ وَتَقِيٌّ ، كَمَا قَدَّرَ أَرْزَاقَهُمْ بِالْعَدْلِ عَلَى حُكْمِ الطَّرَفَيْنِ فَفَقِيرٌ وَغَنِيٌّ ، كُلٌّ مِنْهُمْ جَارٍ عَلَى ذَلِكَ الْأُسْلُوبِ فَلَا يَعْدُوهُ ، فَلَوْ تَمَالَئُوا عَلَى أَنْ يَسُدُّوا ذَلِكَ الْفَتْقَ لَمْ يَسُدُّوهُ ، أَوْ يَرُدُّوا ذَلِكَ الْحُكْمَ السَّابِقَ لَمْ يَنْسَخُوهُ وَلَمْ يَرُدُّوهُ ، فَلَا إِطْلَاقَ لَهُمْ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَلَا انْفِصَالَ ، { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } [ الرعد : 15 ] . وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ، وَكَاشِفِ الْغُمَّةِ ، الَّذِي نَسَخَتْ شَرِيعَتُهُ كُلَّ شَرِيعَةٍ ، وَشَمَلَتْ دَعْوَتُهُ كُلَّ أُمَّةٍ ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ حُجَّةٌ دُونَ حُجَّتِهِ ، وَلَا اسْتَقَامَ لِعَاقِلٍ طَرِيقٌ سِوَى لَاحِبِ مَحَجَّتِهِ ، وَجَمَعَتْ تَحْتَ حِكْمَتِهَا كُلَّ مَعْنًى مُؤْتَلِفٍ ، فَلَا يُسْمَعُ بَعْدَ وَضْعِهَا خِلَافُ مُخَالِفٍ وَلَا قَوْلُ مُخْتَلِفٍ ، فَالسَّالِكُ سَبِيلَهَا مَعْدُودٌ فِي الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ ،